الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

139

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ كناية عن رجاء تأييدهم في إنكار رسالة موسى فلا يتبعونه . وليس المقصود أن يصير السحرة أئمة لهم لأن فرعون هو المتّبع . وقد جيء في شرط إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ بحرف إِنْ لأنها أصل أدوات الشرط ولم يكن لهم شك في أن السحرة غالبون . وهذا شأن المغرورين بهواهم ، العمي عن النظر في تقلبات الأحوال أنهم لا يفرضون من الاحتمالات إلا ما يوافق هواهم ولا يأخذون العدة لاحتمال نقيضه . [ 41 ، 42 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 41 إلى 42 ] فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 41 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 42 ) تقدم نظيرها في سورة الأعراف بقوله : وَجاءَ السَّحَرَةُ [ الأعراف : 113 ] وبطرح همزة الاستفهام إذ قال هناك إِنَّ لَنا لَأَجْراً [ الأعراف : 113 ] ، وهو تفنن في حكاية مقالتهم عند إعادتها لئلا تعاد كما هي ، وبدون كلمة إِذاً ، فحكى هنا ما في كلام فرعون من دلالة على جزاء مضمون قولهم : إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ [ الأعراف : 113 ] زيادة على ما اقتضاه حرف ( نعم ) من تقرير استفهامهم عن الأجر . فتقدير الكلام : إن كنتم غالبين إذا إنكم لمن المقربين . وهذا وقع الاستغناء عنه في سورة الأعراف فهو زيادة في حكاية القصة هنا . وكذلك شأن القرآن في قصصه أن لا يخلو المعاد منها عن فائدة غير مذكورة في موضع آخر منه تجديدا لنشاط السامع كما تقدم في المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير . وسؤالهم عن استحقاق الأجر إدلال بخبرتهم وبالحاجة إليهم إذ علموا أن فرعون شديد الحرص على أن يكونوا غالبين وخافوا أن يسخّرهم فرعون بدون أجر فشرطوا أجرهم من قبل الشروع في العمل ليقيدوه بوعده . [ 43 ، 44 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 43 إلى 44 ] قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 43 ) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ ( 44 ) حكي كلام موسى في ذلك الجمع بإعادة فعل قالَ مفصولا بطريقة حكاية المحاورات لأنه كان المقصود بالمحاورة إذ هم حضروا لأجله . ووقع في سورة الأعراف [ 115 ] قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا ، واختصر هنا تخييرهم موسى في الابتداء بالأعمال ، وقد تقدم بيانه هناك ، فقول موسى لهم أَلْقُوا المحكي هنا هو أمر لمجرد كونهم المبتدئين بالإلقاء لتعقبه إبطال سحرهم بما سيلقيه موسى ، كما يقول صاحب الجدل في علم الكلام